قلب بئيس

- 11:53 م
إستفاقت على صوت المنبه، كأغلب المرات لم تلق نوما كافيا، فصراعات الثاملين في الليل و أصواتهم الخشنة توقظ حتى الموتى، قصدت باب الغرفة في عتمة و هي تتخطى أرجل ولديها و والديها، هما معها منذ 7 سنين، عندما قرر ولدهما الشاب الذي كان يعيلهما أن يحقق حلمه كأي شاب اخر، و يقطع للضفة الأخرى، ساعدته حينها يزة ب 5000 درهم، حتى يكمل المبلغ الذي طلبه له السمسار.

في ليلة من ليالي نونبر الباردة قصدوا القارة العجوز، على قارب مطاطي هو و 60 مهاجرا اخر، وصلها بعد 24 ساعة، لكن كجثة هامدة، فالقارب تلاعبت به أمواج البحر فأغرقته.
ككل فطور، خبز و شاي و بضع زيتونات، أو مربى في حالات أفضل، تأكلها و هي جالسة على طاولة قصيرة من خشب مهترئ وسط ما يشبه المطبخ.

لبست جلابتها السوداء، حملت حقيبة يدها التي تضع فيها بذلة عملها الزرقاء و شيئا لتأكله عند الغذاء، و إتجهت نحو الباب. في الممر المظلم نحو الباب الخارجي، أحست بشيء لزج داست عليه " تبا له، إبن الحرام" تقصد إبن جارتها الطاهرة، الذي ليست مرة الأولى  التي يعود فيها في أقصى الثمل للبيت فيتقيأ في الممر و يدخل لينام كأن شيئا لم يكن، يبدو يوما أسود منذ بدايته الاولى.

تهرول ل 20 دقيقة و سط الأزقة الضيقة، كمن يمشي في متاهة، حتى تصل لمحطة الحافلات. تستقل الحافلة رقم 22 لمدة 30 دقيقة، حافلة قد تقاعدت مثيلاتها في بلدان أخرى، حالتها المزرية تذكرها بأبيها الذي يعاني من عدة أمراض مزمنة، لكنه مازال يسف السجائر سفا.

وصلت لوجهتها، عند النزول، طلب منها شاب تذكرتها، فردت بأنها لا تتوفر عليها هي الأخرى.
في مكان العمل تتجنب زينب و فتيحة، يسألنها كثيرا، تعشقان الإستفسار عن أي شيء، تخاف أن يزل لسانها حول هجرة زوجها لها، و هي التي تخبر الكل أنه عسكري يعمل بالصحراء، تجنبا لشبهات هي في غنى عنها، تفضل سعاد،  فمعها تكتفي بالنميمة و لا شيء غيرها في كل مجمع.

يومه الخميس، تقطع القطار عدة مرات،  في يدها اليمنى مكنسة و في اليسرى كيس بلاستيكي أخضر كبير، تلتقط ما تجده ساقطا على الأرض أو على الطاولات، تجمع قنينات العصائر، الفارغة منها و المتناصة، بقايا الشطائر و الحلويات أيضا، فتلقيهم في ذاك الكيس العاتم. 

امتلأ فمها باللعاب، لكن كبرياءها أقوى، أبت أن تأكل بقايا هؤلاء المتعجرفين و هي تتذكر فطورها، و أيضا ما سمعته في المذياع حول الأكل الصحي، و مخاطر الوجبات السريعة و العصائر المعلبة. "أظن أن تلك البرامج وضعت لتصبر الفقراء مثلي ، الذين لا يستطيعون توفير ثمن تلك المأكولات بصورة متكررة، أتخيل ذاك الأخصائي و هو يرتشف من كأس مملوء بعصير برتقال معلب بينما هو يخاطبنا من مركز الإذاعة تلك، هراء".
دائما ما يتبادر إلى ذهنها أن تبحث عن عمل أفضل، و إن لم يكن أفضل ماديا فليكن عل الأقل أقل تعبا، بالرغم من أنها لم تحصل عليه إلا بشق الأنفس، فقد أخذ منها "التهامي" جارها 2000 درهم مقابل ذالك، أقسم لها أن المبلغ ليس له إنما للوسيط الذي يعمل بالشركة المشغلة، لكنها تعلم جيدا أن له نصيب منها إن لم تكن كلها، فهو مدمن على قمار سباقات الخيول، فالشهر الماضي سرق لأخيه منحته الدراسية من سترته التي كانت معلقة، فوقع بينهما شجار كبير.

عند استراحة الغذاء، و قبل أن تأكل وجبتها هاتفت أمها، لتستفسر عن أحوال ولديها و هل عادا من المدرسة، هما هدفها في الحياة، تركز على أن يتما دراستهما، تتخيل أحدهما و هو في لباس شرطي يعتمر تلك القبعة الزرقاء، هو يعيلها بعد تقاعدها ، و هي تفتخر به أمام الجارات، أما الجارة التي تطمع في تزويج ابنتها من ابنها، فإنها تتودد لها و تتقرب منها، هذه أمنيتها و هذا حلمها.
تشجعها هذه الأمنيات على العمل، في لحظة وقفت لتكمل جولتها في القطار، لم تتبقى لها إلا سويعات قليلة على نهاية المداومة. كان  القطار في طريقه لمدينتها، و كانت هي جالسة أمام باب القطار وحيدة، على صندوق أسود بلاستيكي، فيه معداتها، بجانبها الكيس الأخضر ، ممتلئ عن اخره بالأزبال، عيناها في الأرض شاردتان، لا أحد يعلم في ماذا تفكر، و لا حتى أنا.

ال6 مساءا في محطة الحافلات، إشترت تذكرة لأنها تعلم أنه وقت الذروة، وقت تجول المراقبين، لا تريد أن تجادل أي واحد، فهي مرهقة بعد يوم طويل، إضافة أنهم منعدوا الأخلاق، و تعلم أنهم ذو سوابق عدلية، و يرغبون في لعب دور الأسد أكثر أمامها، فهي ليست بشابة صغيرة لتسدد الذعيرة عن طريق إعطاء رقم هاتفها لأحد المراقبين.
تتسلل بين أزقة حيها، لمحت الجارات مجتمعات وسط الحي، أمامهن صغارهم متسخين، تارة يلعبون و تارة يتشاجرون، هن لسن مكترثات في كلتا الحالتين، عليها أن تجد طريقة لتتفادى الدخول معهن في محادثة طويلة، أخرجت هاتفها من حقيبتها و تظاهرت بأنها تتكلم مع أحدهم، هكذا إكتفت بتلويحة باليد من بعيد.
أخيرا عادت للبيت، تتوضأ لتأدي صلوات اليوم كله ، في ذات الوقت تسخن لها أمها ما تركت لها من الغذاء، مرق البطاطس بدون لحم، فتلك اللحمة التي طهتها قد إنقض عليها الصغيران، لا تكترث "يزة" كثيرا، ما دام من أكلها هما ولداها.
تأكل وهي تشاهد التلفاز، لا يمكن أن تفلت أي حلقة من المسلسل التركي، هو متنفسها الوحيد، يحملها لعالم اخر بقصصه الخيالية عن الحب المثالي الذي لا وجود له.

غدا الجمعة، يوم عيد المسلمين، لكن ليس بالنسبة لمسكينة، من عاداتها أن لا تفطر في هذا اليوم، لها ذكريات سيئة معه، هو اليوم الذي يكون دورها في تنظيف دورات المياه، تتذكر جيدا اول يوم لها، دخلت الحمام لتجد أبشع الصور و الروائح، تقيأت مباشرة، بعدها إهتدت إلى حل هو أن تنظفها قبل أن تفطر.

في هذا اليوم، تزيد وحدتها و يقل كلامها. متثاقلة في مشيتها نحو مقدمة القطار، تترنح يمينا و شمالا جراء سرعته، أغلب الركاب نزلوا في المحطة ما قبل الأخيرة ، عيناها الحمراوان من قلة النوم لم تمنعاها من لمح شيء يلمع تحت الكرسي، وضعت كيسها  فانحنت عليه، حملته و هي تقلبه بأصابعها ، لا تصدق ما تراه، بل و أكثر لا تصدق أن هذا يحدث في اليوم المشؤوم، خاتم ذهبي جميل، مرصع بثلاثة احجار، هل هو هدية من السماء، أهي رحمة من القدر أخيرا؟ تسأل و لا تنتظر أي إجابات، وضعته في جيبها و أكملت طريقها وهي تقول " هل أستحقه؟ نعم، فلا يمكن أن تكون صاحبته  أفقر مني، هي وضعته للزينة و أنا أحتاجه لأسدد به ديوني و أقضي به حاجاتي".

كان معكم حمزة حدوش
إعلان